إذا كانت الثقافة الصحيحة السليمة
تحتفظ في جوهرها بعوامل بقائها وعنفوانها فما هو إذن دور المثقف ؟!
وجواب السؤال أن المثقف هو أحد
بل أهم شروط ظهور الثقافة، فلا ظهور للثقافة دون مثقف.
إن القيم والمفاهيم
والمعلومات والعقائد والفلسفات والأخلاق وكل مكونات الثقافة ومقوماتها تبقى صورا
تجريدية ذهنية ما لم تظهر على أرض الواقع.
ودور المثقف هنا أن يتمثل ثقافته
جيدا فكرا وسلوكا، أن يعمل جادا للتبشير بثقافته، أن يدفع عنها عوامل الانهزام
الداخلي وعوادي الغزو الخارجي، وإنما يدفع المثقف عن ثقافته عوامل الانهزام
الداخلي بالتفاعل الحر مع الثقافات الأخرى، وعدم الانغلاق على محيطه وبيئته، وعدم
الخلط بين الثابت من الحقائق والمتغير من التراث والعادات والتقاليد، والتمييز
الواضح بين ما هو من الأسس والأركان، وما هو من المتممات والمكلمات (أي ما هو من هيكل البناء وما هو من
الإضافات والديكورات ) والحرص على عدم تخلف الثقافة عن العصر وعن الفعل فيه فعلا
إيجابيا، والتحرك داخل العصر وعينه على المستقبل الآتي بما يحمل من آمال وتطلعات
وبما يحقق من أغراض وأهداف، ويدفع عنها الغزو الخارجي بالتخطيط الدقيق والتكافل
والتضامن والتعاون مع أبناء ثقافته أيا كان عرقهم ولونهم.
نريد المثقف الذي ينطلق من جوهر
مفهوم الثقافة الذي يفترض فيه التحرك لنشر رسالته الثقافية داخل المجتمع وعلى
الصعيد الإنساني العالمي، وتوضيح آفاقها و منطلقاتها وأهدافها، وترسيخ مفاهيمها
الرسالية باللغة التي يفهمونها ويتفاعلون معها، لأنها تتحدث عن قضاياهم ومشاكلهم
التي يعانون منها، والآمال التي تراودهم والأهداف التي تعيش في قلوبهم، ونشر الأمن
في المجتمع الذي يعيش فيه أولا وبين الناس ثانيا .
