2013/06/18

حلفُ الفضـــــــول../ أحمد سالم زياد





قد تقول.. وعندك الحق أن تقول.. أن مشكلة بلادنا.. تكمن في تعدد الأعراق.. وتباين اللهجات.. واختلاف السحنات..
لكنني أقول.. وعندي الحق أن أقول.. أن مشكلة بلدي ليست تعدد أعراقها.. قدرَ ماهي عدم استطاعة أعراقها للتكامل.. والتعاون.. كما استطاعوا التعايش..
إن التشخيص الدقيق.. يقتضي ماقلتَ أنت.. وإن العلاج الناجع.. يقتضي ما قلتُ أنا..
 
لذلك.. قلتَ فأصبتَ.. ولذلك.. أيضا.. قلتُ فلم أخطئ..
منهُ نعلم.. علمَ يقين.. أن للحقيقة أوجها.. فكلما تغيرت جهة النظر.. تغير شكل المنظور.. والعقلاء.. العقلاء.. يراعون ذلك.. فيختلفون.. خلاف تنوع.. لا خلاف تضاد.. ويعذر بعضهم بعضا.. ويعلمون.. أن من حكمة الله.. أن يظل البشر مختلفين.. ومن التجني على حكم الله.. أن نسعى لرفع الخلاف.. وفرض رأي على رأي.. لأن كلّ رأي ألغى رأيا.. سيلغيه ذات يوم.. رأي.. مختلف ومخالف.. وكما تدين تدان.. والجزاء من جنس العمل...
لم يفرق التاريخُ.. يوما.. شعوبًا.. جمعتها الجغرافيا أزَلًا.. فعاشت بسلام.. وفي سلام.. تتعارك أحيانا.. وتتصالحُ أخرى.. تعارك الأطفال.. فكنف أبٍ من تاريخ.. وحضن أمِّ من جغرافيا.. فكما يغير البيظان.. بعضهم على بعض.. كذلك.. كان الفلان.. يغير بعضهم على بعض.. وأحيانا.. يغير البيظاني على الفلاني.. والفلاني على البيظاني.. بمنطق عادل من الإغارة.. لا عنصرية فيه.. إنما النهم والجوع.. للقطيع والذود.. هما الدافعان وراء كل إغارة.. والمحرض على كل غزاة..
هاذه الشعوب جمعتها إمبراطورية غانا.. ولم تفرقها دولة المرابطين.. وتعايشت في ظل السيبة.. وناضلت من أجل التحرر من المستعر..
العامل المشترك اليوم.. والأمسُ.. بين هذه الشعوب المختلفة اختلاف تنوع.. هو الإسلام.. وكل الأمور الأخرى.. لا تجمعها.. وليس لها أن تخلافها اختلاف تضاد..
أمريكا أقوى دولة في العالم اليوم.. هي خليط من شعوب.. ولقد اجتمعت تلك الشعوب عن ما يوحدها.. فالتفت حوله.. ونظرت إلى ما يفرقها ففرت منه..
عندما يعلمُ كل موريتاني.. علمَ اليقين.. أن الذي يوحدنا هو الدين ولا فضلَ فيه لعربي على أعجمي.. والوطنُ ونحنُ فيه سواسية كأسنان المشط.. ويعمل على أساس علمه ويقينه.. سيصبح هذا التلون العرقي.. مصدرَ إثراء..
لكننا أمة لا تعرف كيف تحافظ على ثرواتٍ ثرة.. استخلفنا الله فيها.. فتخالفنا.. وتخلّفنا عن غيرنا.. وكاد أن يفوتنا القطار...
حتى الدولة العصرية.. لم تكن لتفرق بين أمشاج النسيج المجتمعي.. ولم تتأسس إلا على تكامل بين هذا المجتمع...
لكن وبعد انحراف القطار.. وبعد أن خرجت الأمور عن السيطرة.. طرأت أمور.. وحدث خلل بنيوي.. وكذلك الأمور.. كلما استقلُّ الأحداثُ بها.. وإن كان استقلال الأحداث بالأمور.. هو إلى الإستغلال أقرب..
هناك طريقان.. أمامنا.. فالنختر.. أيها الموريتانيون.. أي الطريقين أحب إلينا..
فإما عراك همجي.. وتضارب بالسيوف.. وتقاذف بالرماح.. وفتنة لا يعلمُ القاتلُ فيها لمَ قتل ولا المقتول...
حصدت من "الهوتو" و"التوتسي" ولم يحصدوا منها غير الجوع والمرض..
وخربت وطنا جميلا اسمه لبنان.. ولا تزالُ عقبة كأداء.. أمام هذه القارة السمراء.. تمنعها التقدمَ والرقيَ.. رغم ثرواتها.. وفتوة أبنائها.. وبساطة الحياة فيها..
وإما أن نتصارح مع أنفسنا.. وينصفَ بعضنا البعض.. ونجتمعَ على حِلْفِ فُضُول.. كل ينفذه على نفسه.. قبلَ.. أن ينفذه عليه الكلُّ.. لا ظلمَ ولا غمْط.. ولا اطهادَ.. ولا تنقيصَ بفردٍ.. ولا شريحة..
يجبُ غربلة العدات.. وتصيفية القيم.. وتصحيح كثير من المفاهيم المغلوطة.. عند كل شريحة.. لنخرجَ بدستور اجتماعي.. لا مثيل له..
فلدى البيظان قيمُ نبيلة.. وعادات سيئة.. ومفاهيمُ مغلوطة.. وكذلك البولار.. والولوف.. والسوننكي..
فكيفَ يمكنُ للعقلاء.. أن يأخذوا من كل مجتمعٍ.. أحسن ماعنده.. ويتخلصُ كل مجتمع من أسوء عاداته.. هو بنفسه..
فلكي ننصهر جميعا في بوتقة الوطن الواحد.. لابُدَّ لكل شريحة.. أن تتطهر بالإسلام من أدرانها.. وتنفيَ خبثها.. وتترفع على عقدها النفسية.. وإن لكل شريحة من شرائح هذا المجتمع.. عقد نفسية.. تصل أحيانا إلى انفصام في الشيخصية..
إذا نحنُ لم نفعل.. وتركنا الأمر للظروف.. فقد نستيقظُ ذات انتباهة.. على خليط من رعاع.. يعمرُ هذه القفار.. فقراء.. جهّال.. ذليلين.. يأكل بعضهم بعضا.. شريعة الغاب.. وشرعية القوة..
لا أظنّ أن من التكبر في شيء.. أن أترفع على جاهل.. وإن كان ابن عمي.. فليس الجاهل المتجاهل كفؤا لي.. ولا أرتضيه صهرا.. وإن كان حسيبا في معشره.. نسيبا في قومه..
ولو أن الموريتانيين.. كلُّ الموريتانيين أقصد.. كان معيارهم في الطبقية.. على هذا الأساس.. لما لامهم عاقل.. ولا سفههم حليم..
لكن هيهاتَ.. هيهاتَ.. فالأمر على خلافِ ذلك.. يُقَدم الطين على الدين.. وتتحكم العادة في الشرع..
لم ينجُ الصوننكي.. ولا الفلاني.. ولا التكروري.. ولا البيظان من الطبقية.. وهي مرض.. لن نعبر به البحر.. إلى عالمنا الجديد.. وإن بعض الأسر العريقة من لحراطين.. أصبحت اليومَ طبقية.. وحتى بعض الأثرياء الجدد منهم.. اصبحوا كذلك.. فالطبقية.. لا لون لها..
لو قدرتُ.. لا خترتُ بعض عادات البيظان.. وتركتُ البعض.. وإن للبيظان عاداتٌ نبيلة وراقية.. أنا أعلمُ بها من عاداتِ غيرهم.. لكوني منهم.. اندرس الكثير.. وبقي البعضُ.. يغالب العولمة.. كان نتاجَ ثراء وغنى.. وقوة وحرية في الصحراء.. وإن كثير من العادات النبيلة.. قلَّ أن تنموَ في غير المجتمعات الغنية.. وقد كان مجتمعُ البيظان.. مجتمعا أرستقراطيا.. وليستْ الأرستقراطية سيئات كلها..
كذلك صنويه الصوننكي والتكروري.. فهما طبقيا.. نسخة منه.. أو هو نسخة منهما.. وكلُّ الثلاثة سليل امبراطورية قديمة.. ولقد تعاقبوا على حكم امراطورية غانا.. بلاد الذهب.. وخضعت لهم تباعا.. هذه القارة..
وحظ موريتانيا.. أن تعمرها شعوب.. كل شعب منها.. يرى نفسه شعب الله المختار.. وكأن الناس عبيدٌ لوالده..
لن ينحني التكروري العريق.. لبيظاني.. يدعوه استخفافا.. (كْويْري).. ولا الصننكي الحسيب.. لن يقبل الخنوع لغطرسة (تكرورية)..
قدرنا.. وسنسلم به.. وندفعه بقدر الله.. ونأخذ بالأسباب.. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
عندما جاء الصحابة وأحفادهم الفاتحون.. إلى هذه البلاد.. تحملت الأمانة عنهم هذه القبائل.. وظلتْ جميعا.. تحملُ راية الجهاد والعلم.. في افريقيا.. كل افريقيا.. وإن كانَ البرابرة أوضح أثرا.. فإن التكارير والفلان.. كانوا أكثر غناء.. وأبعدَ نُجعة من غيرهم.. فهم اليوم.. وفي عموم إفريقيا.. حملة لواء الدين.. وحراس العقيدة.. وفرسان اللغة العربية.. وليس موقف مثقفيهم من اللغة العربية.. في بلادنا.. إلا ردة فعل متطرفة.. على تطرف القومية العربية.. وخوفا على النوع واللسان.. من الإندراس.. والذوابان في الغير..
ولقد قلتُ البرابرة.. لأن القبائل العربية.. لم تكن قد دخلتْ بعدُ إلى هذه البلاد.. وإنما كان دخولها.. بعد ذلك بقرون..
ليس من فضول العمل.. أن تتداعى النخبة المثقفة.. لحلفِ فضول.. وأن نمسك اللسان.. عن فضول من القول.. يثيرها أهل الفضولِ.. لإثارة النعرات.. وإحياء الدعوات الجاهلية..

يتواصل...