يعود بنا اليوم - وبعد أكثر من نصف قرن - خلال هذه الإطلالة القصيرة أول "بئر إسمنتي" شيد في قرية المبروك، لاسترجاع حكايات تاريخية يمكن تلخيصها في صورة تعطي لمحة موجزة، عن حقبة زمنية لرجال آمنوا بـأنه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، رجال رأوا في امتطاء الصعاب ومخر عباب المستحيل من أجل الكرامة والاكتفاء الذاتي، سبيلا يهون دون التشتت في بلاد الله أو جني مرارة منة من هذا وذاك في زمان ومكان لا يعترفان كثيرا بالمتطفلين على السقاية .
يمثل هذا العلم
التاريخي بالنسبة لسكان قرية المبروك الشيء الكبير عند الرجوع لمرحلة تأسيس القرية
وأهم المحطات التاريخية التي مرت بها على مدى 60 سنة الماضية، حيث أنه يعتبر أكبر
شاهد على جزء عظيم من تفاصيل ذلك الماضي المجيد لأجيال ولدت وتربت وشابت وكانت ذات
يوم جميل هنا .
كان يطلق على هذه
البقعة قديما "لمريرات"
نسبة لمرارة مياه الآبار التي تم حفرها فيها خلال القرون المنصرمة، حسب رواة
التاريخ وأخبار الناس .
عام 1951 وبعد
الاعتماد عدة عقود في مصادر الشرب وسقاية الماشية على عادة الحل والترحال من منطقة
لأخرى، حُفر على بعد أمتار قليلة من مكان هذا البئر حاليا بئر للمياه من نوعية
"اجلاي"
بمباشرة وإشراف كاملين من طرف الراحل أحمد سالم ولد محمد سعيد الملقب (الدَّيَّ)، لم يكتمل انتهاء البئر حتى غمرته المياه
ذات ليلة خلدت في ذاكرة كثيرين فسميت المنطقة بعدها مباشرة بــ"البجغة".
يحكي لنا الآن بعض مشايخ
المبروك عن تلك الحقبة وأهم الإرهاصات التي واكبتها وهم يومها ضمن صفوف الشباب
اليافعين.
يقولون: بعد مرور
أشهر قليلة على حادثة "
البجغة " وبعد أن جرفت السحب ثلاثة آبار "عكل" رئيسية
للمجموعة خلال تلك الفترة، وهي " احسي الخلافَ – احسي سيدي – احسي لحجار" مر العلامة المختار ولد أبلول صحبة الدَّيَّ بمكان البجغة ذات مساء شتوي، وأثناء أطراف
الحديث أشار العلامة المختار على الدَّيَّ بالتحرك
من أجل حفر البقعة من جديد بحكم أنهم جربوا غزارة مياهها وعذوبتها.. وافق الدَّيَّ وبدأت التحركات واجتمعت كلمة القوم على
حفرها بالإسمنت وجَعلِ المبروك قاعدة وملتقى لمجموعة إدولحاج.
سبتمبر 1952 حملت معدات
الحفر والبناء من مقاطعة المذرذرة 29 كلم على ظهور الإبل والبقر والحمير وتم جلب
المياه من بئر تندغيدسات
على بعد حوالي 10 كلم شمالا، فيما دار خلاف قوي بعد وصول معدات البناء على المكان
الذي يجب أن يتم فيه الحفر، حيث ذهب طرف إلا أن يتم الحفر بــ"احسي سيدي" 5 كلم
شرقا، آخرون رأوا في "
البجغة " مبتغىً منشودا، ليستقر القرار الحاسم على المكان الأخير،
وتبدأ عملية الحفر ليلا نهارا بوتيرة متواصلة .
انقسم الأعيان على
تحمل كل واحد منهم جزء من المئونة أو التكاليف المادية؛ منهم من تكفل بتأمين
اللحوم؛ آخر تولى سد حاجة اللبن؛ وذاك مطاياه للنقل؛ وغيره تولى السفر و جلب
المياه وتوفير الحاجيات المطلوبة وقتها .
أقل من شهرين أشرف
البئر على نهايته، إلا أن المؤشرات الأولية أصبحت لا تشير بوجود مياه... احتبست
الأنفاس وضاقت على القوم الأرض بما رحبت؛ بعد كل هذا الجهد والتكاليف وخلال أول
تجربة تتجه نحوها أنظار سكان المنطقة منذ حوالي شهرين .
وصل الحفارة عمق "الصخرة الجوفية" فلم
يستطيعوا ثقبها ولا تجاوزها بأي حيلة.. هناك ارتفعت الأيدي إلى الله عز وجل وتضرع
القوم بالدعاء .. منتصف الليل وبعد 48 ساعة من محاولة فصل 5 داعمات توسطت البئر
خلال إيلاجهن إلى العمق.. جاء ما لم يكن متوقعا؛ انفصلت داعمتان وسقطتا بسرعة قوية
على "الصخرة الجوفية"
مما أدى إلى تدميرها وانفجار المياه حتى كادت تصل فوهة البئر ..!!
تعالت الزغاريد وكبر
القوم وتغنى الشعراء.. يقول
الشاعر أحمد سالم ولد العالم الملقب (اللَّبا) رحمه الله في قصيدة طويلة ورائعة:
الحمد لله إذْ بـــالنَّصـرِ
والظَّفَــــرِ ** عنا أزال هموم الأينِ والضَّجــرِ
وجاد فضلا بما أرجوه
منذْ زمـن ** من حفر بيرِ بعذب المــاء منهمرِ
بيرٌ يضاف لآل
الحــــاجِ ليس به ** دعوىً لغيرهمُ منْ سائرِ البشـــرِ
يـــــا ربِّ فجعله
بيرا لا بوار به ** خـــالٍ من الشّرِ والآفاتِ والكدرِ
إلى أن يقول:
واستصحبوا الصبر لما
صار حَافِرُهُمْ ** مقـــــاسيا صخرة في مســـلكٍ عسرِ
ولم يبـــــالوا
بمــــــا ألقــوه من تعـب ** حُمْيَ الخريف ومن سرى ومن سهرِ
ويقول الشاعر أحمد ولد جدو رحمه الله في
قصيدة تسرد تفاصيل القصة بأكملها:
حلَّ الأمان وطـار
الخوف والسقم ** بحيث فجر ماء الخير "يندرمُ"
قامت له من بني
الأنصــار أندية ** شم أماجد في العليــــا لهم هممُ
قاموا على عزمات ليس
يوهنهـا ** صرف الزمان ولا ما تحدث الأُزُمُ
إلى أن يقول:
دعــــوا له جنـرال
فندعى وأتى ** لفتية مجدهــــــم في حيِّهمْ علــــــــمُ
وأقبل الكل يسعى نحو
حاكمهِمْ ** بِـ"الصَّنْكَ" واحتسبوا بالله واعتصموا
لقد ظل ماء هذا البئر
العذب قبلة لكثير من الناس، وسيبقي على مدى عصور طويلة مصدر إلهام لأجيال تعاقبت
هنا ولا تزال تختزل ذاكرتها عنه وعن "حوماته" كثير لحظات حلوة وجميلة .
إعداد: مجلة صدى المبروك - 2014 .

