تتشرف صفحة "صدى المبروك" الإلكترونية بنشر نص المحاضرة التي ألقاها الأستاذ محمدن ولد المختار ولد باب ولد حمدي، خلال الملتقى الثقافي الأول المنظم من طرف "المنتدى الشبابي للثقافة والتنمية" في قرية بئر السعادة أيام 22 إلى 25 يوليو 2011، والتي كانت تحت عنوان: "العطاء العلمي والثقافي للحاجيين في منطقة الگـبلة" .
إن لدراسة التاريخ
دورا هاما في التأسيس لبناء المستقبل، ذلك أنه يهيئ للتحقق من الأحداث ويمحص
الروايات ويربط النتائج بأسبابها ومقدماتها ويهيئ لاستمرار بناء الحاضر الذي هو
طريق المستقبل. فلا مستقبل إذن لأمة تجهل تاريخها. ومن الحيف اعتبار دراسة التاريخ
ترفا فكريا أو وسيلة لمجرد التفاخر والتسلية، أحرى إذا تعلق الأمر برجال أثَّرُوا
في مجرى التاريخ وخلدوا آثارا مكتوبة تشهد على عطائهم المعرفي ومواقفهم السيادية
وعلى دورهم في تنمية مجتمعاتهم.
وحين نعرض لأي
جانب من جوانب تاريخ المجتمع الموريتاني عموما أو تاريخ إدوالحاج بصورة خاصة لا بد
أن نقف وقفة إجلال وإكبار عند تلك المكتبة التاريخية الضخمة التي فقدها الحاجيون
بوفاة والدنا الأديب الفقيه المؤرخ أحمد ولد سيد محمد تغمده الله برحمته وجزاه عنا
خير الجزاء.
وكان جديرا بنا
ونحن نتطرق لموضوع دور إدوالحاج في منطقة الگـبلة أن نمهد له بمقدمة تتناول تأسيس
وادان ودور أهله العلمي والثقافي كما نتطرق إلى الهجرات التي شهدها إدوالحاج من
وادان نحو الشرق إلى ما وراء تنبكتو، ونحو الجنوب حتى وسط السنغال، لنخلص لدور
إدوالحاج في منطقة الجنوب الغربي من موريتانيا حيث احتلوا مكانة علمية واجتماعية
واقتصادية بارزة وعلى عدة قرون؛ سوى أن الرغبة في الاختصار حالت دون مثل هذه
المقدمة. وقد مهدت لهذه المكانة وذلك الدور الذي اضطلع به الحاجيون في منطقة الگـبلة
عدةُ عوامل من أهمها:
1- العنايةُ بطلب العلم والحرصُ على تحصيله، وقد برز من الحاجيين علماءُ
أصبحوا نموذجا في العطاء وقدوةً في السمت والتربية أمثال أغربظ ولد محمد النور
وأحمد ولد محمد وعبد الله ولد مختارنا والشيخ أحمد ولد محمذ فال وحمدي وأبناؤه
ومحمد ولد أحمد ميلود ومحنض باب ولد إمام وغيرهم.. وفي إطار العناية بالعلم يسجل
التاريخ للحاجيين أنهم لم يكونوا يكتفون بالوراثة وحدها معيارا لانتقال الرئاسة
فيهم وإنما يشترط في المرشح للرئاسة أن يكون على حظ من العلم والفضل يشهد له بهما
الجميع وتعترف له بهما جماعة الحل والعقد.
2- حسنُ الجوار والاستعداد للبذل في النوائب، وخيرُ مثال على ذلك تحمل
الحاجيين لما تكفَّل به ابن بنتهم الفاضل ولد الكوري ولد سيد الفاضل في كفالة يتامى شربب.
3- السبق في فتح العلاقات المثمرة كاتفاقية الصمغ العربي مع الأروبيين.
4- عقد التحالفات الأمنية مع بعض القبائل المحاربة كتحالفهم أولاد اخليفة
لتأمين قوافل الصمغ العربي.
5- الاتحاد وتجاوز الخلافات، وخير مثال على ذلك إقرار ألفغ أوبك لابن أخيه
المختار ولد ألمين في إدارة العلاقة مع الأروبيين.
فقد مهدت هذه
الأمور من بين عدة عوامل أخرى للاضطلاع بعدة أدوار جعلت الحاجيين في مقدمة الصف
المجتمعي في المنطقة كتنسيق التبادل التجاري بين الأوربيين والموريتانيين انطلاقا
من تسويق الصمغ العربي والإشراف على تأمين القوافل ذهابا وإيابا في كل موسم،
والحضور السياسي والاجتماعي على مستوى قبائل المنطقة. وهنا نشير إلى دلالة تأخير
الإمام ناصر الدين لإعلان حرب شربب انتظارا لقرار إدوالحاج بالمشاركة في الحرب
والتي كان للقادة الميدانيين الحاجيين فيها رأي مغاير لموقف الإمام ناصر الدين حيث
كان كل من الفاضل ولد باب الشمس وأحمد ولد ألمين وحبيب الله ولد محم وألفغ النجيب
ولد عبد الله ولد ألفغ أوبك يرون أن التوجه للجهاد نحو الجنوب في قرى الوثنيين
أولى من قتال مسلمين يرى الإمام بغيهم ومنعهم للزكاة. وبلاء أحمد ولد ألمين وحبيب
الله ولد محم في هذا المجال مشهور. ولم يقتصر دور الحاجيين على الضفة اليمنى من
النهر وإنما كان لهم حضور كبير في السنغال وخاصة في منطقتي كجور وبول، ويذكر بول
مارتي أن معظم الأئمة والقضاة في هذه المنطقة في تلك العصور هم من الحاجيين، ونشير
هنا إلى الوزن العلمي والروحي لمحمذن ولد سيد أحمد ولد محم في منطقة اللوگـة السنغالية.
أما الأئمة والقضاة والمدرسون والمربون من الحاجيين القاطنين في السنغال
والذين يجمعهم لقب درمنكور ويتميزون في ألقاب منها: سگـفار – أَمَّرْ – جَيري –
جخمب – سادي - گـمبل وغيرها من الألقاب،
فقراهم مشهورة في السنغال كقرية وادان قرب مدينة كبمير وأدوارهم مشهورة في تلك
البلاد.
وقد ظهرت عوامل ساعدت على انحسار دور الحاجيين في منطقة الگـبلة، نلخص
أبرزها فيما يلي:
العامل الأول: موقف الحاجيين من المستعمر، فعندما قرر
الفرنسيون الدخول العسكري إلى موريتانيا مع نهاية القرن التاسع عشر وأطلع والي
اندر الشمس محمذ أغربظ ولد أحمد ميلود على ذلك طالبا تعاونه، سارع الشمس إلى
مراسلة مختلف القبائل ليخيرهم بين الجهاد والهجرة، مما جعل الفرنسيين يتعاونون في
هذا المجال مع غير الحاجيين، وقد عملت السلطات الفرنسية ومخابراتها منذ ذلك الحين
على تقليص دور الحاجيين في المنطقة، ولم يسجل لأي مقاتل حاجي أو حليف في الكتائب
الفرنسية.
وكنتيجة لذلك تقلص ذكر الحاجيين في الوثائق الفرنسية منذ نهاية القرن
التاسع عشر. ورغم العلاقات التجارية طويلة الأمد بين الحاجيين والأوربيين وخاصة
الفرنسيين منهم، إلا أن الحاجيين قاطعوا المدارس الفرنسية منذ وقت مبكر وعملوا على
إبعاد أولادهم منها واسترجاع تلك القلة التي سجلت في المدارس الفرنسية بالتأثير
على الشباب أنفسهم.
العامل الثاني: هو انكماش الحاجيين اجتماعيا واستقلالهم
روحيا، فلم يسجل إلا القليل من المصاهرات ذات الشأن بين الحاجيين وغيرهم من
القبائل المحيطة بهم.
كما حافظ الحاجيون وعلى مدى قرون على موقف متحفظ من معظم الطرق الصوفية
السائدة في المنطقة مما جعلهم عرضة للاتهام بوصمة الإنكار من طرف البعض.
يضاف إلى العاملين السابقين عاملا الجفاف والهجرة اللذان هزا محاظر كثيرة،
وكانا سببا في تلف مكتبات عديدة.
وقد تميز علماء وشعراء وأدباء كثر لا يتسع المقام لإحصائهم، وسنعطي نماذج
غير حصرية لبعض من خلفوا تراثا مكتوبا منهم وتميزوا في جوانب معرفية أو ميادين
اجتماعية أو قيادية، كما سنذكر نماذج ممن له علم لكنه لم يخلف مؤلفات، فنذكر على
سبيل المثال لا الحصر:
·
أحمد بن محمد الذي تميز في جميع الفنون وخاصة
علوم القرآن الكريم، وأصبحت مؤلفاته معتمدة إلى يومنا هذا في كثير من المحاظر.
·
محمذ فال بن بوفر وغيره من أسرة أهل بوفر
الذين انتهى إليهم العلم بالقرآن رواية حتى اشتهرت في الگـبلة مقولة: (فلان عنده
قرآن أهل بوفر) لمن يراد تزكيته ووصفه بالحفظ والإتقان.
·
باب الكبير بن حمدي، عرف بدوره العلمي
والروحي، وخلف عدة مؤلفات اشتهر منها شرحه على لامية الأفعال.
·
لمرابط باب بن محمذ بن حمدي، واشتهر بإقامة
إصلاحات دينية واجتماعية في المنطقة مثل إقامة الحدود وفداء الفئات المستضعفة في
المجتمع، وقد كان له دور هام في انتشار الطريقة الشاذلية في إفريقيا جنوب الصحراء.
·
الشيخ أحمد بن الشمس محمذ فال وموقفه في
المقاومة الثقافية للمستعمر في المغرب مشهور، كما جرت بينه مناظرة هناك مع علماء
فاس في شأن وقت صلاة المغرب كانت سببا في تأليفه لكتابه النفحة الأحمدية في
الأوقات المحمدية الذي طبع مرتين في حياته في المغرب ومصر وطبع مؤخرا في الإمارات
في نسخة جديدة توجد الآن في الأسواق، كما طبع بعض مؤلفاته في الهند من طرف تلامذته
من الهنود. كما أنه مثل السلطة الفعلية للعلماء في أرض الحجاز في مطلع القرن
العشرين حين احتدم الخلاف بين شريف مكة والحكام الأتراك وعمت الفوضى، فكان حمى
الشيخ أحمد آمنا لمن يلوذ به وكان يحمي قوافل الحجيج من سطوة الأعراب.
·
شيخنا وقدوتنا العلامة المختار بن ابلول رحمه
الله ذو اليد الطولى في جميع العلوم وصاحب الفتاوى المشهورة والدعوات الإصلاحية
السياسية والاجتماعية. وقد تميز عن علماء عصره بفهمه الخارق لفقه الدولة ومتطلبات البلاد
سياسيا واجتماعيا وثقافيا، وقد قاوم المستعمر سياسيا وثقافيا وفتاواه في ذلك
مشهورة، وموقفه من السلطات بعد الاستقلال ثابت مبني على رؤية مستنيرة، ولا تزال
حدائقه موضع دراسة وتحليل إلى اليوم.
·
فضيلة القاضي الشريف أحمد طال ولد لمرابط،
وله دور كبير في تجديد الطرية الشاذلية، كما لجهوده الدعوية في منطقة شمامه وجنوب
النهر أثر كبير في الحد من المدارس الفرنسية، ويتضح ذلك من خلال وجود أساتذة
جامعيين وأطر كبار من مريدي طريقته.
·
القطب بن السالك، المدرس اللامع والمؤلف
الموهوب والشاعر المفلق، ومن أشهر مؤلفاته رسالته في الجمعة وشرحه على المفيد في
التمييز وشرحه للشرنوبية في التوحيد، وجهوده في الإصلاح الاجتماعي مشهورة.
·
المختار بن باب، له أدوار علمية وتربوية
وإصلاحية أبرزها الأستاذ الفاضل ولد محمذ في رسالته لنيل الماستير تحت عنوان:
(التعريف بشخصية العلامة المختار بن باب من خلال مؤلفاته وفتاويه)، وهي رسالة ذات
منهجية متميزة وأسلوب راق وحتوى مفيد.
·
كما أن من العلماء والأدباء الحاجيين من غلبت
شهرتهم بالشعر على جوانبهم العلمية والمعرفية الأخرى، كمحمد بن يامختار وأحمد سالم
بن العالم وأحمد سالم بن أنيس وأحمد بن جد بن ألمين الفاضل ومحمدن بن المختار بن
المصطفى وغيرهم ...، أما أحمد بن المختار بن المصطفى فقد أطلق عليه ببها بن محمذ
بن العاقل لقب سيد الزوايا في رحلة مشهورة جمعتهما.
وقد عرفت أسر وشخصيات بدرجات من الورع والصلاح غطت على
شهرتهم العلمية والمعرفية، كالشريف بوغب وأبنائه، وألفغ محمذ فال وأبنائه، وأهل
سيد محمود وأهل إمام بن أبنُ ... وغيرهم، كما اشتهر آخرون بالحفظ وسرعة البديهة
وسلامة الفهم وصلاح السمت شهرة غطت على أدبهم ومعرفتهم كمحمذ بن اعزيزه وذريته،
واشتهر آخرون بجودة الرأي وبركة المشورة كأهل امحمد بن الحسين. كما أن التفرغ للتدريس
حجب آخرين عن التأليف كجد بن ألمين الفاضل والمختار بن زياد وأبناء أحمذ ايجب
وشيوخ آبائنا أبناء أحمد ميلود من آل محم بن المختار. واشتهر آخرون بالبذل
والتفاني في الأمر العام كمحمذ بم محمود فال، وآخرون جمعوا بين الأدب والطب كآل
سيد امحمد، وفي أهل اسويدي القرآن والفقه والطب.
وقد سكت عن ذكر أجلاء عظماء كثيرين، لا جهلا بمكانتهم
ولا تبخيسا لدورهم ولا نكرانا لحقهم في الإشادة والتنويه، وإنما عجزا عن الاسترسال
في لائحة لا أملك إدراك كلها، وذاكرة المجتمع تحفظهم، وأقلامكم أيها الشباب جسر
يصلنا بهم، فإنه لمن المستحيل حصر كل أولئك العلماء والأدباء في هذه المداخلة
المتواضعة، وليس الهدف كما أسلفنا التسلية ولا التفاخر وإنما الهدف إعطاء القدوة
الحسنة لشباب أظهرت هذه الأيام الثقافية وما قبلها شدة تعلقهم بذلك الماضي المجيد
وطموحهم لاقتفاء ذلك الأثر الميمون، فأمَّلْنا فيهم الخير وشِمْنَا من مشاركاتهم
وآرائهم البناءة النبوغ، فالله يسدد خطاهم ويهديهم سواء السبيل.
وأود أن أختم هذه العجالة بمقترحات عملية قد تساعد على
إنجاح هذه النهضة الفكرية والثقافية والخلقية التي يطمح إليها شبابنا وقد تكون
جزءا من الوفاء لسلفنا الصالح الذي نرجو أن يوفقنا الله لاتباعه بإيمان.
وتشمل هذه المقترحات المجالين الأصلي والعصري.
ففي المجال الأصلي أقترح إنشاء لجنة محظرية تعمل على:
1) إعداد تعريف لكل مؤلف من خلال مؤلفاته على غرار رسالة الأستاذ الفاضل ولد
محمذ في التعريف بالمختار بن باب من خلال مؤلفاته، وتهيئة كل المؤلفات للتحقيق
والنشر.
2) وضع برامج فصلية لكل مجموعة يجمعها حيز جغرافي متقارب فتنتقي كل مجموعة
خلال فصل نصا من النصوص المعتمدة في المناهج المحظرية أو جزءا من ذلك النص يتناسب
مع تلك المدة.
3) دعم وإنشاء محاظر مطورة تعتمد المناهج التقليدية وتستفيد من الطرق التربوية
الحديثة.
أما في المجال العصري فأقترح إنشاء لجنة تعليمية تعمل
على:
1) تنسيق الجهود من أجل الاستغلال الأمثل لجوائز التفوق المزمع اعتمادها
واستمرارها.
2) وضع آلية لتنظيم دروس تقوية للطلاب المترشحين للشهادات الوطنية (كالتنسيق
مع مدرسة المعارف في هذا المجال مثلا).
3) متابعة طلاب المجموعة في مختلف المراحل، والعمل على إنقاذهم من التسرب
وخاصة البنات، ومساعدتهم على إكمال ملفاتهم وتهيئتهم للمشاركة في الامتحانات
النظامية والمسابقات التكوينية والمهنية.
وفقنا الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.