2012/11/14

هجــــــرة روح

هجــــــرة روح/ أحمد سالم ولد زياد 

في هجرة مضادة لرحلة (النجيب) و إخوانه الذين جاؤوا من بعده ، انطلقت روحي إلى موطن الأجداد :(وادان) حظيرة العلم و ملعب النخل الباسق و الجبل الأشم..
انطلقت روحي ذات إسراء في عالم الفناء محلقة بعيدا بعيدا عن عالم الشهود, لتحط عصا الترحال بين جنبات المدينة الساحرة.
هناك شربت نخب ذكريات عصية على الإندراس، يظل شذاها الفواح صدى ذلك الماضي المتألق المنقوش على الجدران و بين جذوع النخل و رفيف أوراق الكتب...
أترعت الكأس بعد الكأس حتى الثمالة !! و دبت حميا المجد في روحي المتعطشة من أمد طويل...!!
***
 ..المنارة الشامخة التي ألفت صراع الزمن لا تزال شاهدة على الماضي بكل عظمته ,و مشاهدة من علوِّ الحاضر بكل ...قساوته.
-أَطْرقْ لتسمع و أنت تمشي في "شارع الأربعين" ماذا تسمع؟ لا تترك العبرة تخنقك و لا تدع التاريخ يشرد بذهنك حيث لا أريد لك أن تسرح الآن على الأقل.
أنصت جيدا..!! ستسمع أزيز آلاف الطلاب و هم يراجعون دروسهم ,و لو أنصت أكثر ..و تحررت من نفسك أكثر.. فستراهم رأي العين, لا تضام في رؤيتهم ,و كأنهم أوقدوا نارا و تحلقوا من حولها, يتلون كتاب الله غضا طريا ويتدارسونه بينهم!! فتغشاك السكينة.
ستحدثك نفسك أن تأتينا بقبس منها و ليتك تستطيع أن تفعل ...ليتك تستطيع!!
للمسجد هدوءه المقدَّس و وقاره الممتع ,كلما أَدْخُل إليه لا تجد روحي فرجة تقف فيها بين الأرواح الراكعة فيه و الساجدة.
آلاف من الذاكرين الله كثيرا و الذاكرات!! تشعرك همهمتهم بأنك في مكان مقدس فلا تسمع إلا همسا!!
إخلع نعليك ..صل لربك تحية المسجد و اجلس ثمة ساعة ,حتى تألف نفسك المكان و يألفك ,ثم اسرح بفكرك حيث تشاء "فعرفة كلها موقف" و وادن كله تاريخ زكي الشذى!!
لعلك في سياحتك تلك تمر على الحاج عثمان أو الحاج علي أو الحاج يعقوب عرج عليهم و حَذَارِ حَذَارِ أن تقتحم خلوتهم سلم بوقار و انصرف 
..فلَحَضْرَةُ العلماء و الدعاة أولى بالتعظيم من ملوك الأرض بَلْهَ و هم ملوك الأرض المؤسسون!!.
..كم سمعت عن سور وادان العتيق ,لقد ظل قرونا يحمي ويزين المدينة كما يزين العقد جيد الحسناء أو السوار معصمها فتتيه به على أترابها فخرا!!
(شعليكْ يَودان فعيطت عْكَابْ لَّيْلْ) لسان حال المدينة أيام كان سورها يحميها من الإغارة في غسق الليل و الناس نيام.
خرجت من واد العلم إلى وادي النخيل و كأن الأنصار ليس لهم إلا الجهاد في سبيل الله و غرس النخيل.
جلت بين جنبات الوادي قبل أن أقفل راجعا ..إنحدرت دمعة من عيني  فهيجت أدمعا و خنقتني العبرة لأستيقظ من حلم جميل ليس كحلم نائم و هجرة روح حالمة.