ذكريات من الجنوب ...
بعد ساعة من زحمة سير نواكشوط الخانقة؛ وصلت إلى كراج روصو..
الساعة: تقترب من الواحدة والنصف زوالا, لحسن الحظ كانت هناك سيارة ينقصها راكب واحد !!.
انطلقنا بعد إجراءات الإنطلاق الرتيبة.
بدأ الشعور بالقلق يتسور إليّ شيئا فشيئا؛ عقارب الساعة تسير بسرعة, وهذه السيارة كأنها لا تسير أو تسير إلى الخلف!!.
لقد كنت أعتقد خطأ أن فعاليات الأيام الثقافية تبدأ الخامسة مساءا, هربت من مخاوفي تلك إلى محادثة رفيقي الطيب, الرجل الأبيض القادم من الشمال..
كان المتبقي من ملامح وجهه يشي بطيبته!!.لا أعرف إن كنا سنتعارف لو قدر لنا لقاء ؟! فكلانا كان متقنعا بلثام إلا قليلا !!
تحدثنا طويلا عن انواذيبو.., وعن دراسته هو في المغرب.. وعن الأدب.. والمحاظر.. وعن الأوضاع في البلد..
بعد الثالثة بقليل وصلنا "تكند" نعم "تكند الجديدة" لتي أطلق عليها "الجديدة" تمييزا لها عن "تكند النخيل", تملكتني الدهشة؛ فأغلب المحلات التجارية, معنونة بتكنت بالتاء !!
مرّ عليّ أن الدال والتاء متقاربان في المخرج أشد التقارب, فهما حرفان "نَطْعِيَانِ" والحرفان المتقاربان, كثيرا ما يتعاقبان في اللغة العربية, وكذلك "الدارجة الحسانية"..
لكن هذا التحول اللغوي السريع فاجأني !!.
بين الفينة والفينة كان رفيقي يوصي سائق السيارة أن ينزله عند الكيلو(...) ويؤكد عليه؛ لأنه لا يعرف الطريق جيدا.
يبتسم السائق؛ ويتعهد له مرة أخرى أنه لن ينساه.
كان صديقي الدكتور أحمد سالم بن باب يتصل علي بين الحين والحين, فأحدد له مكاني بالضبط, عله يحدد الوقت المتبقي على وصولي..
فجأة توقف السائق, قال أنه ينتظر سائقا آخر يعرف كبير نقطة الدرك القادمة, فهذه الإطارات الكبيرة التي ترون على سقف السيارة لا بدّ أن أدفع عنها رشوة ألف أوقية, وصديقي هذا سيرفع عني هذا المظلمة!!.
بعد دقائق من التوقف لحقت بنا السيارة الثانية وقفت بجوارنا, أخبر صديقه القصة وانطلقنا خلفه..
توقفنا عند نقطة التفتيش, ودعني صديقي وأخذ حقيبته ونزل من السيارة, شعرت بخيوط الوحشة العنكبوتية تبني بيوتها في السيارة العتيقة, كان عزائي منها الوحيد أننا نصل قريبا إلى مغنى الأحبة, وملعب الأحباب :الكيلو (24) "زمزم" و"بير السعادة"!!
من المضحك أن سائق سيارتنا تملص من الدركي قبل صديقه المُخَلِّص!!.
سألناه في دهشة : أين صاحبك ؟! لم لا تنتظره؟!
قال بتذمر شديد: هو يريد أن يضيع وقته, لقد أعطيتهم الألف أوقية وانطلقت لشأني, وهو تركته يماحك, وهنا لا تجدي المماحكة!!
تذكرت الدقائق التي ضاعت سدى في اتنظار ذلك السائق المسكين, ولقد قالت العرب: لا يسلم بن حرة زميلة..
الطريق كانت مليئة بالمطبات والطريق الإسفلتي المتهالك؛ يكاد مع الأيام يصبح طريقا رمليا مليئا بالحفر والمنعطفات الخطيرة !!.
سألني السائق هل ستواصل إلى روصو؟ أجبته لا سأنزل عند الكيلو (24) فالتفت إلي مبتسما وقال "وخيرت" .
"نزلت من السيارة واتجهت شمالا, صرخت في داخلي صرخة, كان بودي لو ملأت مابين السماء والأرض: مساء الخير يا وطني, أرض آبائي وأجدادي..
حاولت الإتصال بالدكتور, فقد طلب مني أن أشعره بوصولي "للكيل" ليرسل إلي سيارة..
لقد كان هناك ضعف في الشبكة, فقررت قطع المسافة سيرا على الأقدام, أحرى وأنا المشتاق إلى كل شبر من تلك الربوع الطيبة!!
سبحان الله "الكود" عهدي به أسود فاحما, اشتعل رأسه شيبا, وغزته الرمال الزاحفة من الغرب, كما يغزو المشيب الشباب !!.
غريبة هي العلاقة المتناقضة بين الجنوب والشمال, فالشمال يرسل للجنوب رمالا زاحفة تجعل الحياة أصعب في الجنوب مم المستحيل ذاته !!, والجنوب يرسل للشمال فلذات أكباده, وعمار أصقاعه!!.
"أكَنَتَايَهْ" إنها تبدو أصغر سنا بكثير وأنضر وأورق مما كانت عليه قبل عشرين سنة !!
كنت في صغري أظنها شجرة هرمة, تدب نحو الفناء دبيبا !!.
ترى كم عمرها الآن؟؟, لعله مآة السنين !! من يدري؟!.
تراءى لي زمزم من بعيد, من هناك "دار أهل بَدِّي" والشجرات الكبيرة غربها, شعرت بالدفء, إنني أعود فعلا إلى دياري !!.
إنه زمزم في أبهى حلله, يوم مطير, وظل ظليل, لبس حلة خضراء, وامتلأ الوادي بالماء..فيا عشاق زمزم أين أنتم؟!
يا كود زمزم يا أحلى مغاينا..
إن الحي يتهيأ لعرسين, عرس ثقافي وعرس اجتماعي, مما ضخ حياة جديدة أعادته كما كان أول مرة, جميلا جميلا.. !!.
مررت على الديار, ولو أسعفني الوقت؛ لقبلت الديار دارا دارا..!!.
يا الله.. هناك دور طمرتها الرمال جميعا إلا قيل منها يطل بعنفوان !!
"فور مبارك" اندرس تماما فبالكاد حددت مكانه !!
لم أكن أعرف بالضبط مكان المخيم, ولم أجد من أسأله ولم أبحث عنه, فكيف يعقل أن أتيه أو أضل في أرض هي أول أرض مس جلدي ترابها؟!.
بعدما تجاوزت " فور مبارك " بقليل رأيت حركة الشباب والخيم فتوجت تجاهها, دخلت إلى القسم الشرقي من المدرسة, لقد فرشه الشباب وبدى كأجمل صالون, لم أمكث طويلا حتى مدت البسط وتغدينا غداء فاخرا..
أحمد سالم ولد زياد
بعد ساعة من زحمة سير نواكشوط الخانقة؛ وصلت إلى كراج روصو..
الساعة: تقترب من الواحدة والنصف زوالا, لحسن الحظ كانت هناك سيارة ينقصها راكب واحد !!.
انطلقنا بعد إجراءات الإنطلاق الرتيبة.
بدأ الشعور بالقلق يتسور إليّ شيئا فشيئا؛ عقارب الساعة تسير بسرعة, وهذه السيارة كأنها لا تسير أو تسير إلى الخلف!!.
لقد كنت أعتقد خطأ أن فعاليات الأيام الثقافية تبدأ الخامسة مساءا, هربت من مخاوفي تلك إلى محادثة رفيقي الطيب, الرجل الأبيض القادم من الشمال..
كان المتبقي من ملامح وجهه يشي بطيبته!!.لا أعرف إن كنا سنتعارف لو قدر لنا لقاء ؟! فكلانا كان متقنعا بلثام إلا قليلا !!
تحدثنا طويلا عن انواذيبو.., وعن دراسته هو في المغرب.. وعن الأدب.. والمحاظر.. وعن الأوضاع في البلد..
بعد الثالثة بقليل وصلنا "تكند" نعم "تكند الجديدة" لتي أطلق عليها "الجديدة" تمييزا لها عن "تكند النخيل", تملكتني الدهشة؛ فأغلب المحلات التجارية, معنونة بتكنت بالتاء !!
مرّ عليّ أن الدال والتاء متقاربان في المخرج أشد التقارب, فهما حرفان "نَطْعِيَانِ" والحرفان المتقاربان, كثيرا ما يتعاقبان في اللغة العربية, وكذلك "الدارجة الحسانية"..
لكن هذا التحول اللغوي السريع فاجأني !!.
بين الفينة والفينة كان رفيقي يوصي سائق السيارة أن ينزله عند الكيلو(...) ويؤكد عليه؛ لأنه لا يعرف الطريق جيدا.
يبتسم السائق؛ ويتعهد له مرة أخرى أنه لن ينساه.
كان صديقي الدكتور أحمد سالم بن باب يتصل علي بين الحين والحين, فأحدد له مكاني بالضبط, عله يحدد الوقت المتبقي على وصولي..
فجأة توقف السائق, قال أنه ينتظر سائقا آخر يعرف كبير نقطة الدرك القادمة, فهذه الإطارات الكبيرة التي ترون على سقف السيارة لا بدّ أن أدفع عنها رشوة ألف أوقية, وصديقي هذا سيرفع عني هذا المظلمة!!.
بعد دقائق من التوقف لحقت بنا السيارة الثانية وقفت بجوارنا, أخبر صديقه القصة وانطلقنا خلفه..
توقفنا عند نقطة التفتيش, ودعني صديقي وأخذ حقيبته ونزل من السيارة, شعرت بخيوط الوحشة العنكبوتية تبني بيوتها في السيارة العتيقة, كان عزائي منها الوحيد أننا نصل قريبا إلى مغنى الأحبة, وملعب الأحباب :الكيلو (24) "زمزم" و"بير السعادة"!!
من المضحك أن سائق سيارتنا تملص من الدركي قبل صديقه المُخَلِّص!!.
سألناه في دهشة : أين صاحبك ؟! لم لا تنتظره؟!
قال بتذمر شديد: هو يريد أن يضيع وقته, لقد أعطيتهم الألف أوقية وانطلقت لشأني, وهو تركته يماحك, وهنا لا تجدي المماحكة!!
تذكرت الدقائق التي ضاعت سدى في اتنظار ذلك السائق المسكين, ولقد قالت العرب: لا يسلم بن حرة زميلة..
الطريق كانت مليئة بالمطبات والطريق الإسفلتي المتهالك؛ يكاد مع الأيام يصبح طريقا رمليا مليئا بالحفر والمنعطفات الخطيرة !!.
سألني السائق هل ستواصل إلى روصو؟ أجبته لا سأنزل عند الكيلو (24) فالتفت إلي مبتسما وقال "وخيرت" .
"نزلت من السيارة واتجهت شمالا, صرخت في داخلي صرخة, كان بودي لو ملأت مابين السماء والأرض: مساء الخير يا وطني, أرض آبائي وأجدادي..
حاولت الإتصال بالدكتور, فقد طلب مني أن أشعره بوصولي "للكيل" ليرسل إلي سيارة..
لقد كان هناك ضعف في الشبكة, فقررت قطع المسافة سيرا على الأقدام, أحرى وأنا المشتاق إلى كل شبر من تلك الربوع الطيبة!!
سبحان الله "الكود" عهدي به أسود فاحما, اشتعل رأسه شيبا, وغزته الرمال الزاحفة من الغرب, كما يغزو المشيب الشباب !!.
غريبة هي العلاقة المتناقضة بين الجنوب والشمال, فالشمال يرسل للجنوب رمالا زاحفة تجعل الحياة أصعب في الجنوب مم المستحيل ذاته !!, والجنوب يرسل للشمال فلذات أكباده, وعمار أصقاعه!!.
"أكَنَتَايَهْ" إنها تبدو أصغر سنا بكثير وأنضر وأورق مما كانت عليه قبل عشرين سنة !!
كنت في صغري أظنها شجرة هرمة, تدب نحو الفناء دبيبا !!.
ترى كم عمرها الآن؟؟, لعله مآة السنين !! من يدري؟!.
تراءى لي زمزم من بعيد, من هناك "دار أهل بَدِّي" والشجرات الكبيرة غربها, شعرت بالدفء, إنني أعود فعلا إلى دياري !!.
إنه زمزم في أبهى حلله, يوم مطير, وظل ظليل, لبس حلة خضراء, وامتلأ الوادي بالماء..فيا عشاق زمزم أين أنتم؟!
يا كود زمزم يا أحلى مغاينا..
إن الحي يتهيأ لعرسين, عرس ثقافي وعرس اجتماعي, مما ضخ حياة جديدة أعادته كما كان أول مرة, جميلا جميلا.. !!.
مررت على الديار, ولو أسعفني الوقت؛ لقبلت الديار دارا دارا..!!.
يا الله.. هناك دور طمرتها الرمال جميعا إلا قيل منها يطل بعنفوان !!
"فور مبارك" اندرس تماما فبالكاد حددت مكانه !!
لم أكن أعرف بالضبط مكان المخيم, ولم أجد من أسأله ولم أبحث عنه, فكيف يعقل أن أتيه أو أضل في أرض هي أول أرض مس جلدي ترابها؟!.
بعدما تجاوزت " فور مبارك " بقليل رأيت حركة الشباب والخيم فتوجت تجاهها, دخلت إلى القسم الشرقي من المدرسة, لقد فرشه الشباب وبدى كأجمل صالون, لم أمكث طويلا حتى مدت البسط وتغدينا غداء فاخرا..
أحمد سالم ولد زياد
